ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
239
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
[ الأعراف : 18 ] فلا يغتر مغتر بالتفريط والتسويف ، فليس أحد كان أقرب من إبليس ثم من آدم صلى اللّه على نبينا وعليه ، فإبليس خالف في سجدة واحدة فطرد وأبعده وأبلسه ، ونكد عليه ، ومنعه لذة طعم الوصلا ، وحقره ولعنه وخلع عنه ثوب هداه ، وأطرح قدره بعد علو أمره ، ومحاه من رتبته ، ومحاه من ديوان الملائكة ، فنعوذ باللّه من الكبر والبغي والعدوان والخزي والعجب والمخالفة والمعصية والدعوى والفتنة والبلية والكبرياء ، فإن إبليس كبر قدره ، وكبر سنه ، وتقادم عهده ، وكثرت طاعته وشدة عبادته ، فزعم أن الأمر بالسنين وأن العطاء بكثرة الخدمة والحنين والأنين ، وأن من كان أقدم كانت له منزلة يتضاهى بها ويتباهى ، وأن يكون له مرتبة على غيره ، وما علم علم الآداب ولا سلك ولا فهم معنى سلوك التسليم لقدرة الملك الوهّاب ، ولا علم أن اللّه تعالى أمره بين كاف ونون ، يقول للشيء كن فيكون في لحظة وأقل من لحظة ، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ، وما فقه في معنى الكتاب ولا أحسن ردّ الجواب ، ولا أدرك حقيقة العتاب قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 26 ) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 27 ) [ آل عمران : 26 ، 27 ] . فإذا كان أحد عاملا بالكتاب العزيز والقرآن المجيد بالكد والجد والمجاهدة والمكابدة للفرائض المفروضة والشرائع المشروعة وآدابها على وضعها في موضعها بكمالها وحرمتها وجاهها ، لأن من طلب رضا اللّه كان عليه أن لا يملأ جوفه حراما وألا يلبس عليه حراما ، وأن يكون طاهرا سالما من الرياء والسمعة والتكلف ومساجد مبنية ومثاني معالية حامدة ساجدة على وضع السجود برقة العبيد المماليك ، وذلة حقر العبيد لعزة الرب العلي الأعلى المجيد الفعال لما يريد وميله وخوفه ورعدته للرب جلّ وعلا ، قال اللّه تعالى : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [ الحديد : 16 ] والقلب الخاشع الخائف المرتجف يخرق سفح الحجب ، يعني حجب القلب ويخرق بقايا التخيل والعجبة ، فيخضع تحت الذلة للربوبية ، ويغشى تحت القلة ، وينطوي تحت المسكنة ، ويصغر نفسه حتى يراها أذل ذليل وأصغر صغيرة ، وأحقر حقيرة ، عيناه تذرف دما على عمله وهو خائف لا يزعم أن له عملا معتذر متنصل من الكبر والنظر إلى العمل متوسلا بلسان الافتقار والاعتذار أن لا يخجله مولاه ، ولا يخذله ولا يقطعه ، ولا يحرمه ثدي وصال رضعة ولا موطن قريب